كلمة الأمين العام لرايتس رادار في الندوة، التي نظمها المنتدى اليمني الأوروبي للسلام

بروكسل – بلجيكا | 4 أكتوبر ٢٠٢٦

السيدات والسادة، الحضور الكريم، /

أشكر المنتدى اليمني الأوروبي للسلام وكل من ساهم في تنظيم هذا المحفل الحقوقي المتميز.

سمّى الأقدمون بلادي اليمن بـ «العربية السعيدة (Arabia Felix). ” وفي تلك البلاد اليوم، تحوّلت على الأقل 113 مدرسة إلى مراكز للحشد والتجنيد؛ الفصل الذي كان يُفترض أن يتعلم فيه الطفل القراءة، صار المكان الذي يتعلم فيه حمل السلاح.

نجتمع اليوم في بروكسل – حيث يُصنع القرار الأوروبي وترسم سياسات العدالة الدولية –  لنخاطب الضمير العالمي في قضيةٍ لم يعد يكفي فيها الشجب، ولا يسعنا فيها الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة. لقد حان الوقت لننتقل معاً من سردية الضحية إلى إستراتيجية العدالة، ومن توثيق الانتهاكات إلى ملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم.

بينما يستنفر العالم لحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز وتأمين شريان التجارة الدولية – وهو أمر تفهمه قواعد القانون الدولي –  نسأل هنا بلسان الضحايا:

كيف يحظى أمن البضائع بالاستجابة العاجلة، بينما يُترك الإنسان اليمني لمواجهة القتل، والقصف، والاعتقال، والإخفاء القسري، وتجريف الطفولة؟

إننا نؤكد من هذا المنبر أنه: لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن كرامة وأمن الإنسان اليمني، ولا يمكن بناء سلام مستدام على جثث الضحايا أو عبر مقايضة العدالة بالسياسة.

أولاً: كرامة الإنسان خلف الأرقام (ما تم توثيقه)

في خريف عام 2024، تلقت منظمتنا رسالة قصيرة من أمٍّ في إحدى القرى كتبت فيها:

” أخذوا ابني ذو  الأربعة عشر عاماً من مدرسته قبل عام، ولم أعد أعرف إن كان يأكل، أو ينام، أو لا يزال على قيد الحياة”.

هذه الأم لا تزال تنتظر حتى هذه اللحظة، ورسالتها واحدة من مئات الرسائل التي تحفظها ذاكرتنا.

منذ سبتمبر 2014 وحتى نهاية سبتمبر 2026، وثّقت منظمة رايتس رادار لحقوق الإنسان 17,247 حالة انتهاك ارتكبتها جماعة الحوثي بحق الأطفال، موزعة على الفئات الست التي اعتمدتها الأمم المتحدة لرصد الجرائم الجسيمة في النزاعات المسلحة.

إن كل رقم نذكره اليوم ليس مجرد إحصائية صماء، بل هو جرحٌ في جسد الإنسانية:

  • 7,698 طفلاً تم تجنيدهم واستخدامهم في المحارق المسلحة – أي 7,698 مقعداً مدرسياً استُبدل بسلاح!
  • 1,855 طفلاً قُتلوا، و4,773 آخرين أُصيبوا بجراح وصدمات سترافقهم مدى الحياة.
  • 1,246 حالة اعتقال تعسفي، وإخفاء قسري، وتعذيب داخل ظلمات السجون.
  • 1,305 اعتداءات طالت المدارس والمستشفيات (من بينها 113 مدرسة حُوّلت جهاراً إلى مراكز للحشد والتجنيد والتحريض).
  • 360 حادثة لمنع وعرقلة المساعدات الإنسانية عن أفواه الجياع.

ورغم توقيع الجماعة خطة عمل مع الأمم المتحدة عام 2022 لإنهاء تجنيد الأطفال، إلا أن الأدلة الميدانية أثبتت أن التعهدات الرسمية كانت مجرد غطاء استراتيجي. ففي الأشهر الأربعة الماضية فقط (من يونيو إلى سبتمبر 2026)، وثّقت منظمة رايتس رادار لحقوق الإنسان في تعز والحديدة وحدهما 309 انتهاكات، شملت مقتل 55 مدنياً (بينهم حالات إعدام وتصفية جسدية وموت تحت التعذيب)، و26 حالة تجنيد جديدة للأطفال!

دعوني أكون واضحاً ودقيقاً:  هذه البيانات تمثل الحد الأدنى الموثق إثباتاً، وهي لا تعكس كل الحجم المهول للكارثة، بل تعكس ما استطاعت عدسات الحقوقيين وأقلامهم الوصول إليه رغماً عن المخاطر.

ثانياً: من التوثيق إلى المساءلة الجنائية

إن أول ما يفقده الإنسان حين تنهار الحماية من حوله ليس حقاً بعينه، بل “الحق في أن تكون له حقوق” وهذا بالضبط حال الطفل المجنَّد في صعدة، والمخفيّ قسراً في صنعاء و إب، والأم التي تطرق أبواب السجون دون جواب. إنهم يعيشون خارج نطاق الحماية: لا سلطة تحميهم، ولا محكمة تسمعهم.

ولهذا فإن التوثيق بلا إستراتيجية قانونية ليس سوى أرشفة للمأساة.  لذا، فإن الوقائع الموثقة تستوجب منا الانتقال فوراً إلى تكييفها القانوني: هل تشكل جرائم حرب، أم ترتقي لجرائم ضد الإنسانية وفق أركان نظام روما الأساسي؟

فالجرائم ضد الإنسانية تقتضي إثبات أن هذه الانتهاكات لم تكن تصرفات فردية، بل وقعت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، تنفيذاً لسياسة تنظيمية.

وجرائم الحرب تقتضي ربط كل واقعة بالنزاع المسلح، واستيفاء أركان المسؤولية الجنائية الفردية

وفي ملف تجنيد الأطفال تحديداً، يجرّم نظام روما الأساسي تجنيد من هم دون سن الخامسة عشرة كجريمة حرب مكتملة الأركان. أما تجنيد الفئات بين 15 و17 عاماً فهو خرق جسيم للالتزامات الدولية يتوجب إنهاؤه ومحاسبة مرتكبيه.

ثالثاً: مسارات العدالة الدولية والأوروبية

نحن نعلم أن اليمن ليس طرفاً في نظام روما الأساسي، لكن جغرافيا الجريمة لن تتغلب على المبادئ الآمرة للقانون الدولي.

فباب المحكمة الجنائية الدولية يظل مفتوحاً، إما عبر إعلان الحكومة اليمنية قبول اختصاصها، أو عبر إحالة من مجلس الأمن الدولي. ونحن نؤكد هنا أن انعقاد اختصاص المحكمة سيعني شمول الوضع في اليمن بجميع أطرافه وقياداته، ونرحّب بذلك بكل شجاعة؛ لأن العدالة التي ننشدها عدالة لا تستثني أحداً، ولا تمنح حصانة لظالم.

أما الاختصاص القضائي العالمي أمام المحاكم الأوروبية، فإن المحاكمات المتعلقة بجرائم ارتُكبت في سوريا أمام محاكم وطنية أوروبية، ولا سيما في ألمانيا، تشكّل نموذجاً ملهماً ومساراً عملياً. وهذا المسار يبدأ من اليوم: بإعداد ملفات قانونية متكاملة، وبناء تحقيقات هيكلية تتتبع سلاسل القيادة والأوامر قبل تحديد هوية المشتبه بهم.

رابعاً: مطالباتنا من قلب بروكسل

حين ترسل أوروبا سفنها لحماية الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، فإن قيمها تُختبر أيضاً على اليابسة وفي حماية الإنسان الذي يعيش على ضفاف هذا البحر. من هنا، نتوجه إلى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بأربعة مطالب عملية إجرائية:

  1. تأسيس آلية دولية مستقلة:  لجمع الأدلة وحفظها وتحليلها، لسد الفراغ القائم منذ إنهاء ولاية فريق الخبراء البارزين (GEE) عام 2021.
  2. بناء القدرات الجنائية للمنظمات الوطنية:   تمكين المنظمات اليمنية من بناء ملفات تتوافق مع المعايير القضائية الدولية، والربط بينها وبين وحدات جرائم الحرب في الدول الأوروبية التي تأخذ بمبدأ الاختصاص القضائي العالمي.
  3. تفعيل نظام العقوبات:  تطبيق نظام العقوبات العالمي للاتحاد الأوروبي الخاص بحقوق الإنسان بحق الأفراد والقيادات التي تثبت الأدلة مسؤوليتهم عن الخروقات الجسيمة.
  4. اشتراط الحماية في المسار السياسي:  جعل الوقف الفوري لتجنيد الأطفال، والإفراج عن المعتقلين تعسفياً، والكشف عن مصير المخفيين قسراً، شروطاً أساسية ومؤشرات قابلة للتحقق في أي تواصل أو تعاطٍ سياسي مع جماعة الحوثي.

السيدات والسادة،

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينصّ في مادته الأولى على أن: « يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق». والسؤال الأخلاقي الذي يطرحه اليمن على العالم اليوم: هل تنطبق هذه الكلمات على طفل في عمران وذمار وصعدة، أم أنها تتوقف عند حدود جغرافية وسياسية بعينها؟

الطفل المجنَّد ينتظر الإفراج عنه والعودة إلى مقاعد الدراسة. والمعتقل ينتظر حريته والإنصاف. وأم المخفي قسراً تنتظر معرفة الحقيقة. وضحايا القتل والتعذيب ينتظرون تحديد المسؤولية ومحاسبة الجناة.

لقد قطع المجتمع المدني نصف الطريق في التوثيق والحفظ والشهادة، في ظروف قاسية دفع فيها بعض المادفعين حريتهم وحياته ثمناً لهذا العمل. أما النصف الثاني، فلا يستطيع المجتمع المدني أن يقطعه وحده.

إن الضحايا في اليمن لا يحتاجون إلى مزيد من الإدانة وحدها؛ إنهم يحتاجون إلى الحقيقة، والإنصاف، والمساءلة.

لأن الذاكرة التي لا تصل إلى العدالة… تبقى جرحاً مفتوحاً. يجب أن يجترح طريقاً إلى العدالة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

Scroll to Top