ظل اليمن طيلة عقود ماضية يعاني أزمات سياسية متتالية وصراعات مسلحة متقطعة، فرضها الواقع الجيوسياسي والتوازنات المحلية والإقليمية والدولية، أسفرت عن تردّي الأوضاع المعيشية للسكان، وضاعف ذلك فساد النظام الحاكم وممارسته الإقصاء والاستئثار بالسلطة والثروة، ما خلق حالة من الاحتقان الداخلي على الرغم من وجود هامش ديمقراطي نسبي.

تطوّر هذا الاحتقان الداخلي عبر تشكّل احتجاجات محدودة في المدن الجنوبية منتصف العام 2007، بمبرر الاقصاء والتهميش، وتُوّج بانتفاضة شعبية عارمة في معظم مدن البلاد في الشمال والجنوب، مطلع العام 2011، ضمن موجة ثورات (الربيع العربي) التي اجتاحت العديد من الدول العربية.

استمرت الاحتجاجات الشعبية في اليمن نحو عام، واجهها نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح بالقمع غير المسبوق، قبل أن يتوقف قطار احتجاجات الربيع العربي في اليمن باتفاق التسوية السياسية الذي وقعت عليه جميع الأطراف السياسية، بموجب المبادرة الخليجية، برعاية الأمم المتحدة، يقضي برحيل صالح وانتخاب عبدربه منصور هادي خلفا له، وانطلاق حوار وطني شامل يضم كل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي، أفضى إلى مرحلة انتقالية، تؤسس لدولة اتحادية من ستة أقاليم ومشروع دستور جديد.

مضى اليمنيون في مسار العملية الانتقالية نحو مؤتمر الحوار الوطني الذي ضم كافة المكونات السياسية والمجتمعية، بما فيها حركة أنصار الله (جماعة الحوثيين)، التي حظيت بتمثيل في المؤتمر اعتبرها محللون أكبر من حجمها، واتفقت المكونات السياسية على مسودة دستور جديد، غير ان التغاضي عن سلاح جماعة الحوثيين والحصانة التي منحتها المبادرة الخليجية لنظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح من الملاحقات القانونية عن انتهاكات حقوق الإنسان، هيأت فرصا مواتية للإفلات من العقاب.

هذا الوضع خلق حالة من الفرز والاستقطابات الإقليمية والدولية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، ألقت بظلالها على مسار الأحداث في اليمن الذي يعاني أصلا من أزمات مزمنة واختلالات كبيرة، الأمر الذي أعاق فرص المضي في عملية الانتقال السلمي في البلاد، وساهم في تقويض أسس العملية السياسية، بدءا بالسيطرة على محافظة عمران وانتهاء باجتياح العاصمة اليمنية صنعاء يوم 21  أيلول/سبتمبر 2014، من قبل مسلحي حركة أنصار الله (جماعة الحوثي) بالمشاركة والدعم اللوجستي من قبل قوات في الجيش موالية للرئيس السابق علي صالح، ومن ثم الانقلاب على الشركاء السياسيين وعلى السلطة المنتخبة جماهيريا، والعمل على عسكرة كل مظاهر الحياة المدنية والسياسية، تلا ذلك اجتياح بقية المدن، ومحاولة فرض خارطة جديدة للمشهد العام في البلاد بقوة السلاح.

لم تكن حالة حقوق الإنسان في اليمن في وضع مثالي، ومع ذلك مثّل تأريخ 21 أيلول/ سبتمبر 2014 انتكاسة أخرى كبيرة لحقوق الإنسان وفي التحول السياسي والمشهد اليمني برمّته، حيث نجح المسلحون الحوثيون في الانقضاض على مقوّمات الدولة، بالتحالف مع الرئيس السابق وتواطؤ العديد من المسئولين العسكريين والسياسيين ووحدات من الأمن والجيش الموالية له، ومن ثم سيطر الحوثيون على أغلب سلاح الجيش ومقدرات الدولة والتمدد في العديد من المحافظات اليمنية.

 واتجه مسلحوا جماعة الحوثي وقوات صالح لشن حروبهم المباشرة على فرقاء العمل السياسي المناهضين للانقلاب وعلى الحريات السياسية والمدنية وعلى الحريات الصحافية والإعلامية والحقوقية، ما أفضى إلى تفاقم الحالة الإنسانية وتحول البلد إلى ساحة صراعات إقليمية مفتوحة.

وضعت قوات الحوثيين وصالح الرئيس هادي ورئيس الوزراء خالد بحاح رهن الإقامة الجبرية في منزليهما بصنعاء مطلع العام 2015، وقاموا بحل البرلمان وأعلنوا عن إنشاء لجنة ثورية لإدارة شؤون الحكم ومجلس للرئاسة. بعد نحو شهر تقريبا تمكن الرئيس هادي من الإفلات من قبضتهم والوصول إلى عدن، جنوب البلاد واتخذها عاصمة مؤقتة، غير أن قوات الحوثيين وصالح قصفت مقر إقامته الرئاسي في قصر المعاشيق في عدن بالطيران.

على إثر ذلك تمكن الرئيس هادي وأقطاب حكومته من مغادرة عدن إلى المملكة العربية السعودية، مستنجداً بجامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربي للتدخل عسكرياً، كما وجّه هادي رسالة إلى مجلس الأمن الدولي يطلب منه إصدار قرار للتدخل الدولي لوضع حد لتقدم قوات صالح والحوثيين.

أدركت العربية السعودية أن الفرصة مواتية للقضاء على قدرات وحدات الجيش اليمني الموالية لصالح بعد أن بات تحت تصرف الحوثيين المعروفين بولائهم لإيران الخصم الإقليمي التقليدي للسعودية، لا سيّما بعد تصاعد وتيرة التهديدات الحوثية العلنية للمملكة السعودية، واتخاذهم خطوات تصعيدية وصفت بـ “العدائية”، بدءًا بإجراء مناورات عسكرية بالقرب من الحدود الجنوبية للسعودية، مروراً بعقد اتفاقيات اقتصادية ونفطية واتفاقيات سيادية مع طهران، وانتهاء بتسيير نحو 14 رحلة جوية أسبوعيًّا للطيران الإيراني بين طهران وصنعاء.

على إثر ذلك تم تشكيل تحالف عسكري عربي بقيادة السعودية، يضم خمس دول خليجية، إضافة إلى الأردن ومصر والمغرب والسودان، قام بقصف مواقع الحوثيين وقوات صالح، في إطار عمليات عسكرية أطلق عليها (عاصفة الحزم)، اعتبارا من منتصف ليل الخميس 26 آذار/مارس 2015، بعد أن فرضت حظر طيران في أجواء اليمن، وقطعت خطوط الإمداد عن الحوثيين والوحدات العسكرية الموالية للرئيس السابق صالح. وبررت قوات التحالف العربي عملياتها العسكرية في اليمن بطلب من الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي واستنادا على اتفاقية الدفاع العربي المشترك وقرارات مجلس الأمن بشأن عملية الانتقال السياسي في اليمن.

وعلى الرغم من ان الغارات الجوية لقوات التحالف كانت تستهدف المنشآت والمواقع العسكرية إلا أنها طالت أماكن مدنية أيضا، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية في البلد، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وأعلنت قوات التحالف فتح تحقيقات بشأن العديد منها، واعترفت بالمسؤلية عن بعضها ووعدت باتخاذ تدابير جبر الضرر إزاء الضحايا.

وفي تأريخ 14 نيسان/إبريل، 2015، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارا برقم 2216، تحت الفصل السابع، أكد على شرعية الرئيس هادي، وينص على  أن “يقوم الحوثيون فورا بدون قيد أو شرط بما يلي: أ. الكف عن استخدام العنف؛ ب. ســـحب قـــواتهم مـــن جميـــع المنـــاطق التي استولوا عليها، بما في ذلك العاصمة صنعاء؛ ج. التخلي عــن جميع الأسلحة الإضافية الـتي اسـتولوا عليها مــن المؤسسات العسكرية والأمنية، بما في ذلك منظومات القذائف؛ د. التوقف عن جميع الأعمال التي تندرج ضمن نطـاق سـلطة الحكومة الشرعية”.

ودعا قرار مجلس الأمن “كل الأطراف اليمنية، لا سيما الحوثيون، إلى الالتزام بمبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وبنتائج مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واستئناف وتسريع المفاوضات الشاملة لجميع الأطراف التي تجرى بوساطة من الأمم المتحدة”.

وفي تأريخ 2 تشرين أول/أكتوبر 2015، تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في ختام دورته الثلاثين، بالإجماع قراراً قدمته المجموعة العربية بدعم لجنة التحقيق في انتهاكات حقوق الانسان باليمن المكلفة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن منذ العام 2011، حيث يطرح المشروع العربي دعما تقنيا وفنيا للجنة حقوق الإنسان اليمنية التي أمر بتشكيلها الرئيس عبدربه منصور هادي.

وفي 23 أيار/مايو، 2015 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن محادثات بين أطراف النزاع اليمنية، لكنها تأجلت عدة مرات ولم تسفر آخر جولة من المباحثات اليمنية في الكويت عن أي نتائج عملية لإحلال السلام في اليمن والتي انطلقت في الثلث الأخير من نيسان/أبريل 2016 واستمرت لنحو 3 أشهر واكتفت أطراف النزاع بالاتفاق على عقد مزيد من المشاورات.

أسفرت الصراعات المسلحة في اليمن عن تصدّعات كبيرة وانشقاقات داخل مؤسستي الأمن والجيش بين موالين للرئيس السابق علي عبد الله صالح وجماعة الحوثيين من جهة، وبين تابعين لحكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، في الجنوب والشمال ووسط وشرق البلاد، الذين انتظموا في شكل لجان محلية للمقاومة الشعبية وقوات نظامية تحت قيادة الجيش الوطني.