منذ سيطرة المسلحين الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر 2014 شهدت الساحة اليمنية انتهاكات بصورة غير مسبوقة للحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحياة، حيث يحصد النزاع المسلح أرواح اليمنيين بشتى الوسائل وعلى يد مختلف الأطراف مع تفاوت كبير بين طرف وآخر.

 وتفشّت إثر ذلك ظاهرة القتل العشوائي بصوة غير مسبوقة، واستخدم التوظيف السياسي أداة للإفراط في عمليات القتل من قبل الحوثيين في سياق قمع الخصوم السياسيين ومحاولة تجسيد الوضع الانقلابي في العاصمة صنعاء وفي بقية المحافظات التي سيطر عليها المسلحون الحوثيون بالتحالف مع قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، مع تغييب كامل لمنظومة العدالة في البلاد.

ولا زالت جرائم انتهاك الحق في الحياة مستمرة ضد المدنيين بوتيرة عالية، وتأخذ أشكالا مختلفة، بدءا بقمع التظاهرات والتجمعات السلمية بالرصاص الحي، مروراً بممارسات القتل الجماعي والقصف العشوائي على التجمعات البشرية والأحياء السكنية وانتهاء بالاعدام بدم بارد والقتل عبر زراعة الألغام أو تحت التعذيب في المعتقلات، حيث لا يكاد يمر يوم دون أن تزهق فيه أرواح مدنيين وتُنتهك حقوقهم وتصادَر حرياتهم وتُغتال فيه براءة الأطفال.

ساهمت العديد من العوامل في إشاعة مناخ إنتهاكات الحقوق الأساسية في اليمن، أبرزها الصراعات السياسية الداخلية والاستقطابات الخارجية التي ألقت بظلالها على الوضع الحقوقي بشكل عام وفي مقدمتها الحق في الحياة أو الحق في السلامة الجسدية والمعنوية، وساعد في انتسار ذلك أيضا غياب أداء مؤسسات الدولة المعنية بإنفاذ القانون، ناهيك عن اتساع دائرة العنف المسلح بشكل ممنهج على حساب سلطة القانون.

ارتكبت العديد من الأطراف الكثير من الانتهاكات، وفي مقدمتها مليشيا جماعة الحوثي وحليفتها القوات الموالية للرئيس السابق علي صالح، التي توصف معا بـ(الانقلابية) وكذا قوات التحالف العربي بقيادة السعودية بالإضافة الى القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المسلحة الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي، فيما استغلت عناصر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الصراع المسلح بين القوات الحكومية وقوات الانقلابيين لترتيب أوضاعها المسلحة، وتعزيز تواجدها القوي في بعض المناطق النائية.

شهدت العديد من المدن اليمنية عمليات استهداف للمتظاهرين السلميين بالرصاص الحي من طرف قوات الحوثيين وصالح، كما قامت هذه القوات بعمليات قصف عشوائي طالت العديد من الأحياء السكنية وسقط جراءها الكثير من المدنيين، خاصة في محافظات عدن ولحج وتعز والبيضاء ومأرب، وتوجه لها المسؤولية عن الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين والتجمعات السكانية واغتيال الناشطين السياسيين والصحافيين والتصفيات الجسدية لقيادات في الأمن والجيش الموالية للرئيس هادي أو التي ترفض الاشتراك بالحرب في صفوف الحوثيين، ناهيك عن القتل بدم بارد، وتطورت هذه الممارسات لتأخذ طابعاً أكثر قسوة باتخاذ ناشطين سياسيين وصحافيين دروعاً بشرية في مواقع عسكرية وأهداف مؤكدة لغارات التحالف العربي، بقيادة السعودية، كما عمدت قوات الحوثيين وصالح إلى زرع عشرات الآلاف من الألغام المضادة للأفراد قبل انسحابها من المناطق التي كانت تسيطر عليها، وهو الأمر الذي لا يزال يستنزف أرواح المزيد من المدنيين في محافظات تعز ومأرب وعدن ولحج وحجة وغيرها.

الغارات الجوية التي شنتها مقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية هي الأخرى أسفرت عن سقوط مدنيين، في العاصمة صنعاء ومحافظات الحديدة وصعده وحجة وتعز وإب وذمار وغيرها، إثر استهداف مواقع مدنية أو أماكن تجمع مدنيين بشكل مخالف لقواعد الاشتباك والقوانين الانسانية الدولية. ورغم إعلان توقف الغارات أكثر من مرة ضمن اتفاقات وقف إطلاق النار، إلا أن أطراف النزاع استمرت في معاركها اليومية على الأرض في أكثر من جبهة، وهو الأمر الذي انعكس بدوره على الأوضاع الإنسانية للسكان المدنيين، الذين وجدوا أنفسهم عالقين وسط جحيم هذا القتال، الذي أدى إلى مقتل وإصابة الآلاف، بينهم أطفال ونساء، ونزوح عشرات الآلاف داخليا كما اضطر الآلاف غيرهم الى الهجرة خارجيا.

وقالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مؤخرا، إنها وثقت مقتل مدنيين سقطوا في النزاع المسلح في اليمن، عددهم الإجمالي لا يقل عن 3799 مدنيا و اصيب6711 اخرين بجروح  منذ آذار/مارس 2015 وحتى 23 آب/أغسطس 2016.

وأصدر مركز أبعاد للدراسات بالتعاون مع مركز صنعاء الحقوقي تقريرا إحصائيا كشف فيه عن مقتل نحو 12850 مدنيا منذ سقوط الدولة بأيدي المسلحين الحوثيين وقوات علي صالح في 21 أيلول/سبتمبر 2014 وحتى شهر تشرين أول/ أكتوبر 2016، كما أصيب حوالي 34620 مدنيا في عملية اجتياح واقتحام المدن من قبل ميلشيات الحوثي وقوات صالح بينهم 2812 طفلا و2269 امرأة في مختلف محافظات الجمهورية.

وذكر التقرير أن قوات الانقلابيين (الحوثي/صالح) تسببوا مباشرة في مقتل أكثر من 11500 بمعدل89% من القتلى المدنيين، بينهم 11244 مدنيا قتلوا على أيدي قوات الانقلابيين (الحوثي/صالح) في عمليات اجتياحها للمدن بينهم 914 طفلاً و 546 امرأة، فيما يقدر عدد القتلى جراء زراعتهم للألغام بأكثر من 256 مدنيا والتي أدت أيضا إلى إصابة أكثر من 335 غالبيتهم أصبحوا في عداد المعاقين، في خمس محافظات فقط هي لحج وعدن وأبين والضالع ومأرب وذلك خلال عام واحد بين تموز/يوليو 2015 وحزيران/يونيو2016، بينما هناك محافظات أخرى سقط فيها ضحايا مدنيين نتيجة انفجار الألغام ولم تضف لهذه الإحصائية، كمحافظة تعز والبيضاء وحجة وعمران لعدم توفر بيانانات دقيقة لذلك. وتسببت الغارات الجوية لقوات التحالف العربي والقوات التابعة للرئيس هادي في مقتل حوالي 1350 مدنيا في مختلف المناطق اليمنية بمعدل 11% من إجمالي عدد القتلى المدنيين، منذ مطلع 2015 وحتى نهاية 2016.

الفرق الميدانية التابعة لمنظمة رايتس رادار وثّقت عددا كبيرا من حالات الانتهاكات لحقوق الانسان خلال فترة الحرب في مختلف الجوانب في العديد من المحافظات والتي ارتكبت من قبل مختلف الأطراف وما الحالات المنشورة في هذا التقرير الا نماذج محدودة فقط وليس حصرا لكل حالات الانتهاكات التي ارتكبت في البلاد.